التسلح (الهندي – الباكستاني) وأثره على
المستويين الإقليمي والدولي .. (2-3)
المؤلف: عامر عيد
دكتوراه في العلاقات
السياسية الدولية – الجامعة الأمريكية
JONATHAN BAY UNIVERSITY
إن الأبعاد
المترتبة على سباق التسلح الهندي الباكستاني لا تنحصر آثاره على الهند وباكستان
لأن هاتين الدولتين جزء من النظام العالمي وتفاعلاته، ما تردد تأثيره على الساحتين
الإقليمية والدولية. إن وجود السلاح النووي في الهند وباكستان وهما من دول العالم
النامي لغاية تاريخه، سيجعله موجوداً على تخوم الدول الكبرى النووية، ما يشكل
التهديد الأكبر للأمن العالمي، إذ إن الدخول في نزاع نووي في العالم النامي أصبح
أكثر احتمالا في القرن الحادي والعشرين مع اتساع دائرة الانتشار النووي، لأن هذه
الدول تفتقر إلى الضوابط الدبلوماسية والتقنية التي تحكم استخدام السلاح النووي
التي تتمتع بها الدول العظمى.
استقطب سباق
التسلح الهندي الباكستاني دولاً جديدة في معادلة الصراع ضمن قارة آسيا، مثل الصين
والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإسرائيل، فالصين دخلت طرفاً ضد الهند في حال
دخلت في نزاع نووي مع باكستان، في حين أن إسرائيل ترى في القنبلة النووية
الباكستانية قنبلة نووية إسلامية يجب إبطالها، ويمكن أن تدخل في نزاع ضد باكستان
مع حليفتها الهند إذا استدعت الحاجة.
يرى المراقبون
أن أي تفجير للمواجهة في شكل حرب نووية بين البلدين، قد تأكل الأخضر واليابس، كما
أن حسم الصراعات لصالح أي من الطرفين لن يكون سهلا، فالهند التي يفوق عدد سكانها
سكان باكستان ثماني مرات تتمتع بقدرات عسكرية واقتصادية أكبر من باكستان حيث تعتمد
هذه الأخيرة على الردع النووي فقط في ظل عدم التوازن في الصراع، وحسب المراقبين
فإن الدخول في نزاع نووي في مكان ما من العالم الثالث قد أصبح أكثر احتمالاً.
إضافة إلى ذلك
بإمكان جماعات إرهابية، مثل حركة طالبان باكستان أن تصنع عبوات نووية في باكستان،
لأن المعدات الضرورية لصنع مثل هذه الأجهزة متوفرة بسهولة، فقد هاجم مسلحو طالبان
مرات عديدة المنشآت النووية في باكستان، كما هاجموا أيضا قواعد جوية في كراتشي
وكويتا ومهران، ومناطق أخرى، وهذه الهجمات قد تسمح للإرهابيين بالاستيلاء على مواد
نووية وأسلحة متطورة، كما أن العلاقات بين بعض القيادات العسكرية المتشددة وبعض
الجماعات الإرهابية تتيح أيضاً تسريب بعض المواد النووية إلى أيدي هؤلاء
المتطرفين، لذلك فإن الإرهاب النووي يبقى احتمالاً ممكناً في شبه القارة الهندية
ما لم تسعى سلطات الدولتين إلى منعه بشتى
السبل والإمكانات.
إن سباق التسلح
النووي بين الهند وباكستان له انعكاسات إقليمية خطيرة، فقد أكد معهد ستوكهولم
الدولي لأبحاث السلام أن الصين والهند وباكستان هي الدول النووية الثلاثة الوحيدة
التي تعزز ترسانتها النووية وتطورها باستمرار، فقد أوضح المعهد في تقرير خاص له أن
الصين امتلكت في عام 2012 حوالي 240 رأس نووي، ويثير سباق التسلح هذا قلقاً شديداً
لاسيما وأن هذا المعهد يرى بأن السلام في آسيا هو ”سلام هش” نظراً للتوترات
المتزايدة والصراعات فيما بين الدول الآسيوية كما هو الحال بين الهند وباكستان أو
بين الصين واليابان.
إن الميزان
الاستراتيجي لم يعد لصالح الهند إذ أنها محاطة بالقوتين النوويتين الصين وباكستان
خاصةً وأن هاتين الأخيرتين بينهما علاقات تفاهم وتنسيق فيما يخص الأوضاع في آسيا.
ومع تصاعد التوتر في المنطقة بين الهند وباكستان وسباقهما النووي تضُاف أبعاد جديدة
في العلاقات الثنائية القائمة، وذلك نظراً للموقع الجغرافي لباكستان فهي محاطة
بدول إن لم تكن معها في حالة عداء كالهند، ليست معها في حالة صداقة كإيران،
وبانضمام أفغانستان والتي حاربتها الولايات المتحدة الأمريكية من الأراضي
الباكستانية في عام 2001 يزداد الوضع الجغرافي لباكستان سوء، بل أن الصين الحليف
التقليدي لباكستان ضد الهند قد تنضم لقائمة أعداء باكستان، أو على الأقل تسوء
العلاقات بينهما نظرا لخشية الصين من أي وجود عسكري أمريكي بالقرب منها.
إن التفوق الذي
حققته الهند بداية أدى إلى تزايد التنسيق والتعاون النووي والتسليحي بين باكستان
والصين، ما قلب الموازين لصالح الاثنين معاً ضد الهند. دفع هذا التسابق إلى التسلح
بعض الدول إلى الدخول في سباق مماثل بدأت ملامحه تتضح في كل من كوريا الشمالية
التي يخيف برنامجها النووي اليابان ودول الجوار، وإيران التي هرعت الدول الكبرى
لاستيعاب برنامجها النووي من خلال التفاوض، منعاً لتوسع دائرة الدول النووية في
المحور المعارض للتوجهات الأمريكية والغربية. كما أن البرنامج النووي الإيراني خلق
حالة من التوتر الشديد في منطقة الشرق الأوسط، بين إيران وإسرائيل بالدرجة الاولى
وبين إيران ودول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية بالدرجة
الثانية. فإسرائيل راحت تدرس إمكانية توجيه ضربة نووية استباقية أولى لإيران أو
على الأقل توجيه ضربات استباقية تقليدية على منشآتها النووية بهدف إحباط إي برنامج
نووي إيراني وتأخيره لعقدين من الزمن على الأقل.
إن سباق التسلح
بين الهند وباكستان شجع كوريا الشمالية في المضي في برنامجها النووي، لصنع أسلحة
نووية ووسائل إيصالها، وما نشهده اليوم من تشنج بين كوريا الشمالية وكوريا
الجنوبية واليابان وكافة دول الجوار إلاّ انعكاسا لهذا التفلت والتسابق للوصول الى
امتلاك السلاح النووي وتأمين الردع بالقوة. بالرغم من العقوبات الدولية على كوريا
الشمالي والإجراءات المتخذة من الأمم المتحدة في تفتيش السفن المتجهة إلى كوريا
الشمالية وحظر توريد السلاح اليها، تتابع بيونغ يونغ تجاربها النووية والصاروخية
الهادفة الى الوصول الى امتلاك القدرة النووية الرادعة.
زاد صراع
التسلح الهندي الباكستاني من حذر الهند من الصين باعتبارها مصدر تهديد تقليدي ونووي
لأمنها. أضف إلى فشل البلدين في حل النزاع الحدودي بينهما يبقي على حالة الإحباط
وعدم الثقة، لا سيما وأن الصين قد حلت معظم مشاكلها الحدودية مع جيرانها الآخرين.
سبق للهند أن وقفت موقفاً تاريخياً واضحاً من القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، فهي منذ البدء انتهجت سياسة الحركة الوطنية الهندية المعادية للصهيونية، وكان المهاتما غاندي زعيم الاستقلال قد أبدى في ذلك الوقت انكاره للحركة الصهيونية وتطلعاتها لإقامة دولة يهودية في فلسطين، لأنه اعتبر ذلك طعناً بالحقوق العربية والشرعية الدولية. أما وقد تبلورت العلاقة الاستراتيجية بين إسرائيل والهند في العام 1992 دفع الأخيرة إلى تغيير موقفها المتضامن مع القضية الفلسطينية وشبك تحالفات وتفاهمات استراتيجية مع إسرائيل التي اصبحت صديقتها وحليفتها. وترى إسرائيل أن باستطاعتها تجنيد الهند للإسهام في مساعدة مخططاتها البعيدة المدى في احتواء المد الإسلامي الأصولي وتوجيه العالم الإسلامي نحو اعتماد سياسة معتدلة يقبل بها الغرب وترضى عنها إسرائيل.
والى لقاء مع التداعيات الدولية
عامر عيد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق