الثلاثاء، 1 فبراير 2022

 

التسلح (الهندي – الباكستاني) وأثره على المستويين الإقليمي والدولي .. (3-3)


 

المؤلف: عامر عيد

دكتوراه في العلاقات السياسية الدولية – الجامعة الأمريكية

JONATHAN BAY UNIVERSITY

لسباق التسلح النووي بين الهند وباكستان انعكاسات دولية، تتمثل في استقطاب عناصر دولية في معادلة الصراع ضمن قارة آسيا، مثل الولايات المتحدة الأمريكي وروسيا. وذلك لأن البرامج النووية فيها تزيد من تعقيد خارطة الوضع الآسيوي، ومن البعد النووي في صراع القوى الكبرى على الساحة الآسيوية، فقد خططت الولايات المتحدة لقوس نووي والذي يرتكز شرقاً في اليابان والهند، وصولا إلى إسرائيل على أن تهيمن عليه هي لخدمة مصالحها الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط حيث منابع النفط. فبعد إقرار اتفاق التعاون النووي الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والهند في 2007، نشطت تحركات صينية – روسية للحد من احتمالات استخدام هذا التعاون بما يهدد إحدى هاتين القوتين النوويتين.

قد جرت مساعي حثيثة لاستمالة الهند إلى تعاون أوثق سواء في إطار منظمة دول شنغهاي أو في إطار ثنائي من طرف الصين وحليفتها روسيا. أما باكستان فشعرت بخيبة كبيرة إزاء ذلك الاتفاق النووي الاستراتيجي بين الهند – والولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب تصاعد حملة أمريكية – إسرائيلية تحذر المجتمع الدولي من أن السلاح النووي الباكستاني قد يقع في أيدي متطرفين إسلاميين، إذا لم تضع الولايات المتحدة الأمريكية يدها مباشرة وبإحكام على المخازن والمنشآت النووية الباكستانية كافة، وذلك لأنه كلما زاد عدد الدول التي تمتلك الأسلحة النووية والصواريخ الحاملة للرؤوس النووية كلما تعاظمت فرص حصول التنظيمات المتطرفة عليها.

طورت الولايات المتحدة الأمريكية سياستها تجاه الموقف النووي في منطقة جنوب أسيا، وذلك للحصول على مميزات ومصالح في تلك المنطقة. بحيث كان تصرفها تجاه باكستان يتسم بوضع الإسلام في دائرة الشكوك واستخدام الهند كقوة ناشئة في إحداث التوازن مع الصين، والتي قد تهدد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. فهذه الأخيرة ومن خلال الاتفاق النووي مع الهند تعهدت لها بالإعلان عن مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية 14 مفاعل من أصل 22، بمعنى أن المفاعلات الأخرى لن تخضع للرقابة وبالتالي منحها إمكانية إنتاج حوالي 100 قنبلة نووية وهي النسبة المطلوبة في مجال الردع النووي.

أن الموقف الأمريكي تجاه الهند وباكستان قد تحدد منذ عام 2004، وذلك ببناء سياسة قائمة على الثقة تجاه الهند والتعاون الاستراتيجي معها، وذلك بذريعة مسؤولية الهند عن تحقيق الاستقرار في منطقة جنوب آسيا، الأمر الذي أدى إلى توقيع اتفاقية لإمداد الهند بتكنولوجيا نووية متقدمة في المجال المدني بشرط فتح منشآتها النووية للتفتيش الدولي. أما باكستان والتي على الرغم مما بذلته في إطار تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية في مجال الحرب على الإرهاب، إلا أن الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش رفض إقامة اتفاقية مع باكستان على نمط الاتفاقية مع الهند. وكان هاجسه الأكبر في ذلك أن باكستان تصدر الإسلام السياسي والذي يشُكل خطورة على نظام الأمن والسلم الدوليين في نظرها خاصة بعد هجمات 11 أيلول 2001 الإرهابية.

ومع تصاعد الأحداث داخل باكستان بدء من 2008، أشاعت الولايات المتحدة الأمريكية إعلامياً أن المنشآت النووية الباكستانية أصبحت عرضة للهجمات الإرهابية، لإقناع الرأي العام العالمي بضعف الإجراءات الأمنية للمنشآت الباكستانية، وخطورتها على الأمن والسلم العالميين.

برغم المساعدات الأمريكية لباكستان والتي بلغت خمسة مليارات دولار عام 2009، تضع الولايات المتحدة الأمريكية في حسابها وجوب التخلص من القدرات النووية لباكستان في وقت ما، وذلك طبقاً للمتغيرات الإقليمية والعالمية، لخفض المخاطر. فعند الإحساس بالخطر ستسعى الولايات المتحدة الأمريكية لإيجاد أوضاع على الأرض تظهر عدم قدرة باكستان على تأمين منشآتها النووية، وأن هذه المنشآت عرضة للوقوع في أيدي الجماعات الإرهابية، ومن ثم تصدر قراراً من الأمم المتحدة بفرض الوصاية الأمريكية على الترسانة النووية الباكستانية وتفكيكها، الأمر الذي يزعج الباكستانيين ويقلقهم بحيث أن قدراتهم النووية تخيف الأمريكيين والغرب، في حين أن القدرات النووية الهندية التي تتصدى للصين عدوة أميركا لا تخيفها.

إن عدم توقيع كل من الهند وباكستان على معاهدات الحد من الأسلحة النووية ووسائط نقلها، واجتهاد الدولتين على تطوير قدراتهم النووية، يثير الكثير من المخاوف على الصعيد الدولي، وفي أروقة الأمم المتحدة الكثير من التحفظات على هذا التطوير النووي.

إن التذبذب الحاصل في العلاقات الدولية مع هاتين الدولتين دفعهما الى إقامة شبكة علاقات دولية متناقضة، فبالرغم من التعاون الهندي الأمريكي نرى أن الهند هي المستورد الأول للسلاح الروسي، ما سمح لروسيا بالدخول مجدداً على الساحة الدولية بقوة من بوابة الهند بعد الصين، وأعاد بعض التوازن إلى اللعبة السياسية الدولية، في ظل هيمنة القطب الواحد. فروسيا هي التي تزود الهند بالخبرة الفنية اللازمة للمفاعلات النووية. تشغل العلاقات العسكرية حيزاً كبيراً من العلاقات بين البلدين، ولا يقتصر الأمر على مجرد إبرام صفقات أسلحة ومعدات قتالية، لكنها تمتد لتشمل التزام روسيا بأمن الهند واستقرارها وتطور قدراتها.

تستخدم الولايات المتحدة الأمريكية نوعا من الازدواجية في تطبيق استراتيجيتها تجاه الهند وباكستان لتحقيق مصالحها الذاتية قبل مصالح الآخرين، وتعتبر أن المجال النووي هو الأهم وذلك لتطبيق عقيدتها في منع الانتشار النووي وحظر إجراء التجارب النووية، إلى جانب تجميد قدرات الدول الممتلكة للأسلحة النووية لمنعها من التمادي في تطويرها أو اكتساب المزيد منها، وذلك من خلال ما يلي:

1 – المحافظة على التوازن النووي بين الهند وباكستان كأداة رئيسية لمنع نشوب حرب نووية في شبه القارة الهندية، نتيجة لتوازن الرعب بينهما.

2- وضع قيود لمنع الدولتين من دعم أي دول أخرى في امتلاك برامج نووية مشابهة، أو إجراء تحالفات تهدف إلى انتشار القدرات النووية في المنطقة.

3- الحصول على معلومات متكاملة عن البرامج النووية للدولتين، بما يساعد الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على الانتشار النووي في المنطقة، أو مراقبة استعداد أي من الدولتين في استخدام السلاح النووي، مع مراقبة التجارب النووية وأسلحة توصيل تلك القنابل إلى أهدافها.

4- تُدخل الولايات المتحدة الأمريكية حسابات التوازن بين الصين والهند ضمن حساباتها الاستراتيجية فهي تهتم بالمحافظة على القدرات النووية للهند كوسيلة ردع للصين، بل تعمل على تدعيم هذه القدرات، سواء من خلال تنظيم التعاون بين الهند وإسرائيل، أو من خلال دعم أمريكي مباشر في نطاق الاتفاق النووي بين أميركا والهند. وفي السياق نفسه تحاول الحد من التعاون الصيني – الباكستاني في هذا المجال. وذلك من أجل تطويق الصين وعدم تمكينها من امتداد تحالفاتها جنوباً وشرقاً بما يؤثر على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

إن التفلت الدولي الحاصل على الصعيد النووي من كوريا الشمالية إلى إيران وباكستان والهند وإسرائيل يقلق الكثير من الدول ويدرج العديد من التساؤلات حول مستقبل العالم في ظل هذه الفوضى النووية، بالرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها الأمم المتحدة والعديد من الدول. ما يطرح السؤال حول وجوب إرساء قواعد دولية ملزمة جديدة بهدف ضبط التسلح النووي المستشري بين الدول والذي يمكن أن يصل إلى المنظمات الإرهابية، ويحول دون تحقيق السلم والأمن الدوليين.

تمت

عامر عيد

amer1960eid@gmail.com


https://alewaanewspaper.org/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b3%d9%84%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%86%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%a7%d9%83%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%88%d8%a3%d8%ab%d8%b1%d9%87-%d8%b9%d9%84%d9%89-3/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بدائل "إيران" نحو الشرق تتعلق بجوانب اقتصادية وعسكرية

بدائل "إيران" نحو الشرق تتعلق بجوانب اقتصادية وعسكرية المؤلف: عامر عيد دكتوراه الفلسفة في العلاقات السياسية الدولية – الجامعة الأم...