إيضاحات حول أوكرانيا - ولماذا يخاف الناس من الحرب هناك؟
| عامر عيد |
المؤلف: ديفيد ليونهارت – نيويورك تايمز – 8
ديسمبر 2021
ترجمة: عامر عيد
دكتوراه في العلاقات السياسية الدولية –
الجامعة الأمريكية
JONATHAN BAY UNIVERSITY
إذا كنـت زعيمـا أجنبيـا معاديـا للولايات المتحـدة -يجلـس فـي موسـكو أو بكيـن مثـلاً - فكيـف تنظـر إلـى الولايات المتحـدة اليـوم؟
لعلكم تعلمـون أن حربين فاشلتين إلى حـد كبير، خيضتـا فـي أفغانسـتان والعـراق، علـى مـدى السـنوات العشـرين الماضيـة، وأن العديـد مـن الأميركيين ليـس لديهـم مصلحـة فـي خـوض صـراع آخـر فـي منطقـة بعيـدة وعلاقته بالأمن القومـي غامضـة.
ســتعرف أن الولايات المتحــدة نفســها لا
يمكــن أن تعــرف مــدى قــوة شــعورها بالديمقراطيــة، وقــد أخــذ َّ رئيســها
الســابق وحلفائــه فــي البــلاد يقــرأون مــن الكــراس الــذي يتَّبعــه ُالمســتبدون
لتخريــب نتائــج الانتخابات.
وســتعرف أن الولايات المتحــدة مســتَقطَبة
سياســياً لدرجــة أن العديــد مــن الناخبيــن وأعضــاء الكونغـرس قـد لا يلتفـون
حـول رئيـس حتـى فـي خِضَم أزمـة خارجيـة، فقـد تفاعـل الأميركيون مـع الوباء
بالانقسام والغضـب، الأمرــ الذي غذَّى الرفض الواسع النطاق لأخذ اللقاحـات
المنقـذة للحياة والفوضـى المسـتمرة فـي المـدارس.
وبالنظـر إلـى كل هـذا، قـد لا تشـعر بالخـوف بشـكل خـاص مـن الولايات المتحـدة، علـى الرغـم مـن أنهـا لا تـزال تمتلـك أكبـر اقتصـاد فـي العالـم، وأهـم عملـة وأقـوى جيـش.
هـذه الخلفيـة تسـاعد علـى تفسير التوترات فـي كل منـ أوكرانيا وتايوان، وفـي كل منهـا، تـدق دول اســتبدادية طبــول الحــرب حــول غــزو ديمقراطيــة صغيــرة قريبــة، وقــد أصــدرت الولايات المتحــدة تحذيــرات صارمــة ضــد أي عمــل مــن هــذا القبيــل. وقــد تختــار القوتــان الاستبداديتان روسـيا والصيـن فـي نهايـة المطـاف التنحـي - ولـو مؤقتـا علـى الأقل - لكـن عدوانهـم المتزايـد هــو عالمــة علــى اســتعدادهم لتحــدي مــا يــراه قادتهــم الولايات المتحــدة الضعيفــة.
اليــوم، ســأركز علــى أوكرانيــا، أمضـى الرئيــس بايــدن والرئيــس الروســي فلاديمير بوتيــن ســاعتين في مكالمة فيديو متوترة أمـس، ركـزت إلـى حـد كبيـر علـى أوكرانيـا. وقـد حشـدت روسـيا قواتهـا مؤخـرا نحـو الحـدود الأوكرانية، ممـا خلـق مخـاوف مـن الغـزو.
خلفية:
يعتقـد بوتيـن أن أوكرانيـا -البلـد الـذي كان فـي السـابق جـزءا مـن الاتحاد السـوفيتي - التـي كان عـدد سـكانها 44 مليـون نسـمة، ينبغـي أن تخضـع لروسـيا. وتشـترك الدولتـان فـي حـدود طولهـا 1200 ميل، وكذا روابط ثقافية ولغوية (وهـو مـا يعتقـد الكثيـر مـن الأوكرانيين أن بوتيـن يبالـغ فيه).
ولكـن بـدلا مـن الانحياز إلـى روسـيا، تحولـت أوكرانيـا نحـو الغـرب، بمـا فـي ذلـك الإطاحة بزعيـم مدعـوم مـن بوتيـن فـي عـام 2014، فقد صد الرئيـس الأوكراني الحالـي فلاديمير زيلينسـكي محاولات روسـيا لتوسـيع نفوذهـا.
يقـول زميلـي مايـكل كروالي، الـذي يتابـع
وزارة الخارجيـة: يـرى بوتيـن أن أوكرانيـا تتطـور لتصبـح موقعـاً عسـكرياً
فعليـاً للولايات المتحـدة وحلـف شـمال الأطلسي .
إن حشـد روسـيا للقـوات علـى طـول الحـدود الأوكرانية يشـكِّل إشـارة إلـى أن بوتـن سـوف يفكـر فــي الغــزو مــا لــم تتراجــع أوكرانيــا عــن الغــرب، وقــد ضمــت روســيا بالفعــل شــبه جزيــرة القــرم الأوكرانية فــي عمليــة عســكرية عــام 2014، علــى الرغــم مــن أن معظــم العالــم لا يعتــرف بهــا كإقليــم روســي.
لماذا الآن؟:
كثيـرا مـا يعطـي العـدوان الأجنبي القـادة السياسـيين فرصـة لحشـد الدعـم القومـي فـي الداخـل، لا ســيما باعتبــاره إلهــاءً عــن المشكلات الداخليــة، حيــث تواجــه روســيا مشكلات داخليــة، مثــل ارتفـاع عـدد حالات كوفيـد19، وبـطء النمـو فـي الأجور، وارتفـاع الأسعار.
وفـي العـام الماضي نظَّمـت جماعـات
المعارضـة بعضـاً مـن أكبـر المسـيرات المناهضـة لبوتيـن منـذ سـنوات، وقــد
يخشــى بوتيــن أيضــاً مــن ضعــف نفــوذه علــى أوكرانيــا، ســواء بســبب
مقاومــة زيلينســكي داخل أوكرانيا أو بسبب السياسة الروسية؛ كتب قـادري لويك مـن
المجلـس الأوروبي للعلاقات الخارجيـة:
ليـس كل أعضـاء المؤسسـة السياسـية الروسـية يشـاطرون بوتيـن هوسـه بالبـلاد، أو وجهـة نظـره المتحمسـة بـأن الأوكرانيين والـروس هـم نفـس الشـعب." يـرى بوتيـن أن الجيـل القـادم قـد لا يهتــم كثيــرا، لذلــك قــرر أنــه يجــب أن يخلــق حقائــق لهــم "، قــال أحــد المطَّلِعيــن علــى السياســة الروسـية.
تكتيكات بوتين وأهدافه:
لسنوات، خاض الانفصاليون المدعوموـن من روسيا والقوات الأوكرانية مناوشات على طول الحدــود الشــرقية لأوكرانيا (النقطــة الســاخنة الأخرى، إضافــة إلــى شــبه جزيــرة القــرم)، وتبـادلَ الجانبـان إطلاق النـار مـن المدافـع الرشاشـة وقاذفـات القنابـل اليدويـة أمـس(7 ديسمبر 2021)، ويخشـى الدبلوماســيون الدوليــون مــن تقــدم المناوشــات لبوتيــن أن تكــون ذريعــة للغــزو.
كمـا أن تكتيـكات روسـيا لا تقتصـر علـى القـوة أيضـا، فقـد شـنت حملـة تضليـل، واصفـة ثـورة عـام 2014 زوراً بأنهــا انقــلاب فاشــي وشــنَّت هجمــات إلكترونيــة ضــد الحكومــة والجيــش وأنظمــة الطاقـة فـي أوكرانيـا، وتُذكِّر هـذه التكتيـكات، بطبيعـة الحـال، أيضـا بتدخـل بوتيـن فـي انتخابـات عـام 2016 لمســاعدة حملة دونالد ترامب الانتخابية، التي ألقت روســيا باللوم فيها زورا علـى أوكرانيـا.
فـي مجلـة آتلانتـك، تشـرح أن أبلبـاوم، كيـف يسـتخدم بوتيـن وحلفـاؤه المعلومـات المضلِلَة لدعـم حاكــم مســتبد فــي بيلاروسيا أيضــا، "أنهــم يســعون الــى ترســيخ وتمكيــن العالــم الاستبدادي وفـي الوقت ذاته إلـى تقويـض العالم الديمقراطـي"، وقـال أبلباوم في مقابلـة NPR الأخيرة، وحتــى لــو لــم تُقــدِ م القــوات الروســية علــى الغــزو، فقــد يكســب بوتيــن المواجهــة، مــن خــلال تخويف الولايات المتحدة وأوروبا الغربية للتراجــع عــن أوكرانيــا.
وقـد رفـض بوتيـن الدبلوماسـية المتعـددة الأطراف حـول أوكرانيـا، مصـراً علـى المحادثـات مـع الولايات المتحدة "إنه يريد معاهدة على غرار الحرب الباردة"، وفقا، لأنطون ترويانوفسكىُّ مديـر مكتـب التايمـز فـي موسـكو. ولكـن مطالـب بوتيـن بمـا فـي ذلـك التعهـد بـأن يوقـف حلـف شـمال الأطلنطي التعـاون العسـكري مـع أوكرانيـا ربمـا تكـون أكبـر مـن أن يلبيهـا بايـدن.
والأرجح من إبرام المعاهدة هو استمرار مزيج من المواجهة والدبلوماسية.
النفوذ الأمريكي:
يبــدو للوهلــة الأولى أن الجيــش الروســي يتفــوق علــى نظيــره الأوكراني بأشــواط، كمــا تحــوم الشــكوك حــول رد عســكري أمريكــي شــامل، نظــراً لحالــة الإرهاق مــن الحــروب الخارجيــة التــي يشــعر بهــا بايــدن والعديــد مــن الناخبيــن الأميركيين.
لكن لا يـزال لـدى بايــدن خيارات أخرى. إذ
يمكن للولايات المتحدة زيــادة دعمهــا العسكــري لأوكرانيا، الأمر الــذي قــد
يجعــل الغــزو المحتمــل يبــدو أكثــر دمويــة وأكثــر تكلفــة بالنسبة لروسيا، الولايات
المتحدة تتبع استراتيجية ذات صلة فــي تايــوان.
كمـا يمكـن لبايـدن أن يهـدد بفـرض عقوبـات علـى روسـيا، كمـا فعـل فـي المكالمـة مـع بوتيـن أمــس (7 ديسمبر 2021)، وفقــا لجيــك ســوليفان، مستشــار الرئيــس للأمــن القومــي. وقــال ســوليفان للصحفييــن "لقـد أبلـغ الرئيـس بوتيـن مباشـرة أنَّـه إذا غـزت روسـيا أوكرانيـا فـإن الولايات المتحـدة وحلفاءنـا الأوروبيين سيردون بإجراءات اقتصاديـة قوية"، وقـال بايـدن: إذا هاجمـت روسـيا أوكرانيـا، فـإن الولايات المتحـدة سـترد بقـوة أكبـر ممـا فعلـت عنـد الاستيلاء علـى شـبه جزيـرة القـرم فـي عـام 2014.
ولكـن العقوبـات قـد لا تكـون كافيـة لـردع
بوتيـن، وكمـا أشـار أبلبـاوم، فـإن الأنظمة الاستبدادية تحملـت عقوبـات فـي
السـنوات الأخيرة جزئيـاً بمسـاعدات اقتصاديـة مـن الأنظمة الاستبدادية الأخرى،
بمـا فـي ذلـك الصيـن، إنهـا واحـدة مـن حقائـق عالـم يتزايـد فيـه الاستبداد.